السيد عبد الأعلى السبزواري

240

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

ثم إن الاصطفاء لا يختصّ بالإنسان ، بل قد يقع بالنسبة إلى غيره أيضا ، وإن كنا لا نعلم ذلك . ويشهد لذلك بعض الأحاديث بأن العقل هو أوّل من اصطفاه اللّه تعالى ، حيث قال : « بك أثيب وبك أعاقب » ، فهو أوّل من اصطفاه اللّه تعالى وآخره في قوسي الصعود والنزول ، فيكون المصطفى ( بالفتح ) حقيقة واحدة لها مراتب متفاوتة . نعم ، بناء على ما نسب إلى بعض أعاظم الفلاسفة المتألّهين وبعض أكابر العرفاء الشامخين من وحدة الوجود والموجود ، فالمصطفي ( بالكسر ) والمصطفى ( بالفتح ) واحد لكنهما مختلفان بالاعتبار ، ولهم في ذلك كلمات نظما ونثرا ، والتفصيل يطلب من محلّه . وكيف كان ، فالاصطفاء منشأ الخيرات والبركات في هذا العالم ، ويكون شأن من اصطفاه اللّه تعالى في هذه الدنيا شأن ربان السفينة في البحر المتلاطم المحفوف بالمخاطر ، والناس في هذه السفينة حيارى قد أدهشهم الخوف ، فلا بد لهذا الربان من علم إلهي بكيفية السير والسلوك ، كما هو معلوم في السفر من الخلق إلى الحقّ . قوله تعالى : إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً . بيان لأحد أسباب الاصطفاء وتقرير لكيفيّته . والنذر هو إيجاب شيء على النفس والالتزام به ، والإنذار الإخبار بالتخويف ، ويمكن فرض الجامع بينهما وهو إعلان التخويف على المخالفة ، سواء كان المنشأ حاصلا من نفس الإنسان على نفسه أم من اللّه تعالى ابتداء . ومحرّرا من التحرير ، وهو الخلوص والتخلّص عن الوثائق ، كتحرير العبد ، أي خلوصه عن الرقيّة ، وتحرير الكتاب هو تخليصه عن الفساد والاضطراب ، أو إطلاق المعاني عن قيد الذهن والفكر ، ويقال لكلّ ما خلص أنه حر : تمسّك إن ظفرت بودّ حر * فإن الحرّ في الدنيا قليل